الشنقيطي

44

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أجمعوا على أن المراد بالقول هو القرآن ، وأما المراد بالرسول الكريم جبريل عليه السلام بدليل قوله تعالى : ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ( 20 ) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ( 21 ) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [ التكوير : 20 - 22 ] . فصاحبكم هنا : هو محمد صلى اللّه عليه وسلم ، الذي صحبهم منذ ولادته وذو القوة عند ذي العرش : هو جبريل عليه السلام ، وفي إسناد القول إليه ما قد يثير شبهة أن القول منه ، مع أنه كلام اللّه تعالى . وقد أجاب الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب ، بإيراد النصوص الصريحة في أن القرآن كلام اللّه تعالى ، وقال : وإن في نفس هذه الآية ما يرد هذه الشبهة ، ويثبت تلك الحقيقة ، وهي قوله تعالى : لَقَوْلُ رَسُولٍ لأن الرسول لا يأتي بقول من عنده ، وإنما القول الذي جاء به هو ما أرسل به من غيره ، إلى ما أرسل إليه به . تنبيه في وصف جبريل عليه السلام بتلك الأوصاف نص في تمكينه من حفظ ما أرسل به ، وصيانته عن التغيير والتبديل ، لأنه مكين ، فلا يصل إليه ما يخل برسالته ، ولأنّه مطاع ثم . والمطاع لا يؤثر عليه غيره ، والأمين لا يخون ولا يبدل ، فكان القرآن الذي جاء به مصونا من أن يتسلط أحد عليه فيغيره ، ومن أن يغيره الذي جاء به ، وهذا كله بمثابة الترجمة لسند تلقي القرآن الكريم . وقوله : وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [ التكوير : 22 ] بيان لتتمة السند ، حيث قال : وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ( 23 ) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ( 24 ) [ التكوير : 23 - 24 ] ، فنفى عنه صلى اللّه عليه وسلم نقص التلقي بنفي آفة الجنون ، فهو في كمال العقل وقوة الإدراك ، ومن قبل أثبت له كمال الخلق وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ القلم : 4 ] . وأثبت له اللقيا ، فلم يلتبس عليه جبريل بغيره ، وهي أعلى درجات السند ، فاجتمع له صلى اللّه عليه وسلم الكمال الخلقي . والكمال الخلقي - بضم الخاء وكسرها - أي الكمال حسا ومعنى ، ثم نفى عنه